جلال الدين السيوطي

324

الإتقان في علوم القرآن

القراءة ، ولا توصف بها التلاوة . وهذا النوع مذهب ابن كثير وأبي جعفر ، ومن قصر المنفصل كأبي عمرو ويعقوب . الثالثة : التدوير : وهو التوسط بين المقامين من التحقيق والحدر . وهو الذي ورد عن أكثر الأئمة ممن مدّ المنفصل ، ولم يبلغ فيه الإشباع ، وهو مذهب سائر القراء ، وهو المختار عند أكثر أهل الأداء . تنبيه « 1 » : سيأتي في النوع الذي يلي هذا استحباب الترتيل في القراءة . والفرق بينه وبين التحقيق : فيما ذكره بعضهم . أن التحقيق يكون للرياضة والتعليم والتمرين ، والترتيل يكون للتدبّر والتفكر والاستنباط ، فكلّ تحقيق ترتيل ، وليس كلّ ترتيل تحقيقا . فصل من المهمّات تجويد القرآن ، وقد أفرده جماعة كثيرون بالتصنيف ؛ ومنهم الدّانيّ وغيره « 2 » ، أخرج عن ابن مسعود أنّه قال : ( جوّدوا القرآن ) « 3 » . قال القرّاء « 4 » : التجويد حلية القراءة ، وهو إعطاء الحروف حقوقها وترتيبها ، وردّ الحرف إلى مخرجه وأصله ، وتلطيف النّطق به على كمال هيئته ، من غير إسراف ولا تعسّف ولا إفراط ولا تكلّف . وإلى ذلك أشار صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله : « من أحبّ أن يقرأ القرآن غضّا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أمّ عبد » « 5 » . يعني ابن مسعود ، وكان رضي اللّه عنه قد أعطي حظا عظيما في تجويد القرآن . ولا شك أنّ الأمة . كما هم متعبّدون بفهم معاني القرآن وإقامة حدوده . هم متعبّدون بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصّفة المتلقاة من أئمة القراء ، المتصلة بالحضرة النبويّة . وقد عدّ العلماء القراءة بغير تجويد لحنا ، فقسّموا اللحن إلى جليّ وخفي « 6 » ، فاللحن

--> ( 1 ) انظر التمهيد ص 61 . ( 2 ) انظر التمهيد في علم التجويد ، لابن الجزري ، بتحقيق غانم حمد ، طبع مؤسسة الرسالة - بيروت وقصيدة ابن مزاحم ، وقصيدة علم الدين السخاوي في تجويد القرآن ، تحقيق شرح عبد العزيز بن عبد الفتاح القارئ ، دار مصر للطباعة . والرعاية لتجويد القراءة ، لمكي بن أبي طالب ، تحقيق الدكتور أحمد فرحات ، طبع دار عمار - الأردن . ( 3 ) سبق تخريجه . ( 4 ) انظر التمهيد ص 58 . ( 5 ) رواه ابن ماجة ( 138 ) ، وأحمد 1 / 445 - 446 - 454 ، وفي الفضائل ( 1554 ) ، وأبو يعلى ( 16 - 17 ) - 5058 - 5059 ) ، وابن حبان ( 1970 - 7066 - 7067 ) ، والبغوي ( 1401 ) . وسنده حسن . انظر تخريجنا لسنن ابن ماجة . ( 6 ) انظر التمهيد ص 75 - 78 .